السيد محمد حسين فضل الله
28
من وحي القرآن
وهذا ما أوضحه القرآن الكريم في قوله تعالى : وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ويتصاعد الأسلوب التهديدي الذي يواجههم بالحقيقة التي تنتظرهم في ما ينتظرهم من عذاب اللَّه الذي كذبوا به : فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وذلك هو جزاء كل هؤلاء الناس الذين يواجهون الحقيقة بالسخرية والاستهزاء ليهزموا دعاتها نفسيا . . ولكن اللَّه أمر رسله أن يثيروا في داخلهم الشعور بالحقيقة المرعبة التي سيلاقونها غدا عندما يلاقون وجه اللَّه ، ليوحوا إليهم بأن أساليبهم لا تجدي في ما يحاولونه من هزيمة المؤمنين ، بل سترتد عليهم سخرية واقعية تتمثل في أوضاعهم السيئة في نار جهنم . الهلاك للجاحدين والكافرين بنعم الله وما ذا ينتظر هؤلاء وغيرهم من المكذّبين ؟ هل ينتظرون إلا الهلاك الذي حلّ بالقرون السالفة من قبلهم ؟ أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ بما أعطاهم من وسائل القوة ، وأسباب النعيم ، وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً فقد أرسل السماء عليهم بأمطارها الغزيرة وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ وتحولت الأرض من خلال ذلك إلى أنهار تجري من تحتهم . . ولكنهم لم يشكروا ولم يخضعوا للَّه ، فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ فأهلكهم اللَّه بذنوبهم ، وأنشأ من بعدهم قرنا آخرين ، فأين ذهب هؤلاء كلهم ؟ وماذا حدث للأرض وللسماء من بعدهم ؟ . . . لم يحدث شيء . . بل استمرت الحياة كما أرادها اللَّه في قوم آخرين ، وهكذا تستمر الحياة مع غيرهم ، فلا يتصور أحد أن أيّا من تصرفاته يمكن أن يغيّر من سنّة اللَّه في الحياة ، بل عليه أن يعرف بأن الأمر كله للَّه ، وأن الذي أوجد الكون بإرادته قادر أن يزيله بتلك الإرادة الحكيمة القادرة